الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
98
شرح ديوان ابن الفارض
الرجال فينكر على العارفين بقياس عقله مستندا في ذلك إلى ظواهر نقله . وقوله دعني ، أي اتركني وقل له هكذا بتنزيل نفسك منزلتي لأنك رسولي إليه ولا تقل دعه فأكون غائبا عنك إذا لم ينقل الرسول لفظ المرسل فما أدى الرسالة على الكمال لتصرفه فيها كما أدى صلى اللّه عليه وسلم كلام اللّه ولم يتصرّف في شيء منه أصلا فقال قل هو اللّه أحد ولم يقل هو اللّه أحد فقط كما أمر ونقل صيغة الأمر أيضا بقوله قل ونحو ذلك كثير في القرآن . وقوله وشأني ، الواو للمعية أي مع أمري وحالي الذي أنا فيه ولا تعرفه أنت . وقوله عن نصحك بمقتضى ما تزعمه في نفسك من الحق وتزعم أني على خلاف ذلك . اه . فاللّوم لؤم ولم يمدح به أحد وهل رأيت محبّا بالغرام هجي [ الاعراب والمعنى ] « الفاء » في قوله « فاللوم » تدل على ما بعدها بمنزلة التعليل لما قبلها « دعني وشأني وعد عن نصحك السمج » أي أمرتك بتركي مع شأني من غير أن تلومني لأن « اللوم لؤم » بضم اللام وبعدها همزة ساكنة هو خلاف الكرم . واللؤم لا يكون سببا للمدح وكيف يكون سببا للمدح وهو نقيض الكرم . « فاللؤم » يكون سبب الذم حيث كان منافيا للكرم . وأما « الغرام » فلا يكون سببا للهجاء وللملام فعلى كل تقدير يكون الملام قبيحا ولا يكون الغرام إلا مليحا . وفي البيت الجناس المحرّف بين لوم ولؤم والطباق بين المدح والهجاء . ( ن ) : قوله فاللوم لؤم ، يعني إن لوم أهل الإيمان الكامل على كمال محبتهم الإلهية من الغافلين الجاهلين بأحوال العارفين الكاملين لوم صريح ولا يصدر ذلك إلا من خبيث شحيح . وقوله وهل رأيت ، خطاب للمخاطب أوّلا المقول له قل وقوله محبّا ، أي صاحب محبة إلهية . وقوله هجي بالبناء للمجهول يعني أن المحبين لم يهجهم أحد بسبب أنهم محبون ولا تكون المحبة سبّا وشتما لأحد أصلا . اه . يا ساكن القلب لا تنظر إلى سكني واربح فؤادك واحذر فتنة الدّعج [ الاعراب والمعنى ] قوله « يا ساكن القلب » أي يا من قلبه ساكن بعد المحبة لأن المحبة إذا دخلت إلى قلب أوجبت له الاضطراب وحركت جوانحه وأعدمته السكون عن تفقد الأحباب . « لا تنظر إلى سكني » والسكن هنا عبارة عن الحبيب الذي يسكن إليه القلب عن الوجيب . قوله « واربح فؤادك » هو من الربح أي اغنمه لئلا يضيع من يدك واحذر الفتنة الحاصلة من الدعج . و « الدعج » شدة سواد العين مع سعتها . وما أحسن هذا البيت وما ألطف ما فيه من الدعاء إلى الهوى وإن كان بحسب الظاهر تحذيرا منه .